خبير اقتصادي: الدعم الحكومي لا يكفي أمام ارتفاع أسعار السكن واستمرار المضاربات
في قراءته لتطورات سوق العقار في ظل البرنامج الحكومي الجديد لدعم السكن، سجل الخبير الاقتصادي إدريس الفينة أن “الدعم المباشر الذي يتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف درهم لم ينجح في كبح ارتفاع أسعار العقار، ولا في تسهيل ولوج الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل إلى السكن”.
وأوضح الفينة، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “ما يقع اليوم هو أن الدعم الحكومي يُمتص بشكل مباشر من قبل السوق، بحيث ترتفع الأسعار بمقدار الدعم نفسه أو أكثر، ما يُفقد الإجراء الحكومي أثره الحقيقي”، مشيرًا إلى أن “السكن الذي يُفترض أن يُعرض بسعر 250 ألف درهم يُعرض فعليًا بـ280 ألف أو أكثر، مما يُفرغ المبادرة من مضمونها الاجتماعي”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن “العقار أصبح منتوجًا يخضع لقواعد المضاربة والربح السريع، وليس أداة لحل أزمة اجتماعية متراكمة”، مضيفًا أن “الدعم كان ينبغي أن يكون مشروطًا بضوابط سعرية صارمة، ومراقبة ميدانية للمنعشين العقاريين الذين يستغلون الظرف لرفع الأسعار”.
مدن كبرى خارج التغطية
وأكد الفينة أن “الاستفادة من هذا الدعم في مدن كبرى مثل الدار البيضاء، الرباط، مراكش وطنجة، شبه مستحيلة، بسبب الارتفاع المهول في أسعار الأراضي وكلفة البناء”، مضيفًا أن “العقار في هذه المدن تجاوز بكثير سقف 300 ألف درهم للوحدة السكنية، ما يجعل الدعم غير ذي جدوى بالنسبة للفئات المستهدفة”.
وأوضح أن “ما لم تُوفر الدولة أراضي مجهزة بسعر رمزي أو تُدخل تعديلات ضريبية تُشجع على إنتاج سكن منخفض التكلفة، فإن هذه المبادرة ستبقى محدودة الأثر”، مشددًا على أن “الفئة الوحيدة التي تستفيد حاليًا بشكل حقيقي من الدعم هي التي تقطن في مدن صغيرة أو مناطق شبه قروية حيث التكلفة العقارية أقل”.
طلب كبير ومنتوج نادر
وصف الخبير الاقتصادي الوضع الحالي بـ”الاختلال البنيوي”، حيث “الطلب كبير جدًا، خصوصًا من طرف الشباب المقبلين على الزواج والطبقة المتوسطة التي لم تعد قادرة على الكراء أو الشراء”، في حين أن “المنتوج السكني الملائم للشروط التي وضعتها الحكومة لا يزال نادرا في السوق”.
وأضاف: “لو كان العرض العقاري متلائمًا مع البرنامج، لكنا اليوم أمام عشرات الآلاف من المستفيدين شهريًا، لكن ما يحدث هو العكس: آلاف الملفات المودعة مقابل عدد محدود جدًا من المستفيدين الفعليين”.
دعوة إلى مراجعة شاملة
أعرب الفينة عن أمله في أن “تعمد الحكومة إلى تقييم مرحلي للبرنامج، وأن تُحدث إصلاحات عميقة تمس بُنية الإنتاج العقاري”، داعيًا إلى “توفير أراضٍ مُخفضة الكلفة، تبسيط المساطر الإدارية، وإطلاق شراكات فعلية مع القطاع الخاص وفق ضوابط صارمة لضمان جودة المنتوج واحترام الأسعار”.
مناطق مهملة خارج الاستفادة
من جهته، شدد المحلل الاقتصادي عمر الكتاني على أن “العديد من المناطق المهمشة لا تستفيد لا من دعم السكن ولا من مخططات التهيئة”، مضيفًا أن “الطلب موجود حتى في المدن الصغيرة، لكن غياب البنية التحتية والتشجيع العقاري يجعل المنعشين يبتعدون عنها”.
وأكد الكتاني أن “الحل الحقيقي يكمن في وضع سياسة وطنية للسكن تأخذ بعين الاعتبار التفاوتات المجالية، وتشجع على خلق مدن جديدة مندمجة”، محذرًا من “تحول أزمة السكن إلى عامل توتر اجتماعي في ظل تراجع الأجور وارتفاع كلفة المعيشة”.